محمد رأفت سعيد
351
تاريخ نزول القرآن الكريم
قالُوا إِنَّما أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ ( 185 ) وَما أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكاذِبِينَ ( 186 ) فَأَسْقِطْ عَلَيْنا كِسَفاً مِنَ السَّماءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 187 ) قالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِما تَعْمَلُونَ ( 188 ) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كانَ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 189 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ ( 190 ) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ ( 191 ) . إن تقديم هذه الصور للأمم السابقة مع رسلهم وبيان حالة كل أمة ، وكيف كانت عاقبتها تعليم وتوجيه وتربية لهذه الأمة الخاتمة ، ففرعون صورة للطغيان والاستبداد والفساد في الأرض وقوم فرعون يمثلون الضلال واتخاذ الأنداد ووجهوا بالحجة ، وقوم نوح يمثلون نظرة السخرية والتنكير على المؤمنين ، وعاد يمثلون العلوّ والكبر والتعلق بالدنيا ، وكذلك ثمود بإسرافهم وفسادهم وقوم لوط بفاحشتهم وشذوذهم ، وأصحاب الأيكة بفسادهم الاقتصادي . فهذا الفساد المتعدد يتكرر على مرّ الأيام والناس في حاجة إلى معرفة النتائج لهذه الأعمال الفاسدة ، وقد نبأنا الله من أخبار هؤلاء في كتابه الكريم ، فمع إمكانية الانتفاع بهذه المواقف بالتدبر والتأمل ، واستخلاص العبر تأتى الأوامر المباشرة ليحمل الناس على صلاحهم حملا . تتناول الآيات الكريمة بعد هذا الحديث عن القرآن الكريم وبيان مسيرته الآمنة حيث نزل به الروح الأمين لينزل على أطهر مكان وأحكمه على قلب النبي صلّى اللّه عليه وسلم . وليس للشياطين عليه من سبيل فلا يستطيعون سرقة شئ منه . وهو في وضوح تام ؛ لأنه بلسان عربى مبين ، وقد تضمّن كل أسباب الهداية ، فهو يهدى للتي هي أقوم في كل شئ ففيه الدعوة إلى التوحيد والعبودية الخالصة لله وحده ، وفيه خفض الجناح للمؤمنين ، وفيه التحذير من المعصية والمخالفة ، قال تعالى : وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 192 ) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ ( 193 ) عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ ( 194 ) بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ ( 195 ) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ ( 196 ) . وأما الآية التي قال مقاتل إنها مدنية فهي قوله تعالى : أَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَماءُ بَنِي إِسْرائِيلَ ( 197 ) . فإن مجاهدا يقول : يعنى عبد الله بن سلام وسلمان وغيرهما ممّن أسلم ، وقال ابن عباس : بعث أهل مكة إلى اليهود وهم بالمدينة يسألونهم عن محمد - عليه الصلاة والسلام - فقالوا : إن هذا لزمانه ، وإنا لنجد في التوراة نعته وصفته . يقول القرطبي : فيرجع لفظ العلماء إلى كل من كان له علم بكتبهم أسلم أو لم يسلم على هذا القول ، وإنما صارت شهادة أهل الكتاب حجة على المشركين ؛ لأنهم كانوا يرجعون في أشياء من أمور الدين إلى أهل الكتاب ؛ لأنهم مظنون بهم علم « 1 » . وتحذّر الآيات الكريمة من الوقوع فيما وقعت فيه الأمم السابقة من التكذيب بالحق
--> ( 1 ) القرطبي 13 / 138 ، 139 .